شهر رمضان، وعبادة الدعاء
قال الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}
وقد تخلَّلت هذه الآية من سورة البقرة الآيات التي تتعلَّق ببيان أحكام الصيام، وفي ذلك سرٌّ بديع أشار إليه المفسِّرون، وحاصله: أنَّ زمان الصيام زمان يرجى فيه قبول الدعاء.
وذلك:
- لفضل شهر رمضان في نفسه، وما فيه من الخير العظيم.
- ولأنَّ الصيام مِن أحسن حالات العبد وأكملها وأفضلها.
- ولأنَّ الصائمين في رمضان أقرب ما يكون إلى الله تعالى، لكثرة الطاعات، والانكفاف عن المنهيَّات.
ولهذا لما سُئل النبيُّ ﷺ عن سبب صيامه الإثنين والخميس قال: «إنَّ أعمالَ العبد تُعرض يوم الإثنين ويوم الخميس وأحبُّ أنْ يُعرضَ عَملي وأنا صَائم»([1]).
قال الإمامُ ابنُ كثير رحمه الله في تفسيره عند الآية السابقة: «وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء، مُتخلِّلةً بين أحكام الصيام، إرشادٌ إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدّة، بل وعند كلِّ فِطْر، كما رواه الإمام أبو داود الطيالسي عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة»، فكان عبد الله بن عمرو إذ أفطر دعا أهله، وولده ودعا.
وفي مسند الإمام أحمد، وسنن الترمذي، والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم». انتهى كلامه ملخصًّا([2]).
ولهذا فإنه ينبغي للصائم:
- أن يكون كثير الدعاء والتضرع والابتهال.
- عظيم الرجاء تام الالتجاء يسأل ربَّه، ويعوذ به، ويُعظم الأمل فيه، ويتوكَّل عليه، ويُنزل حاجته به، ويُظهر افتقاره إليه.
فأنت فقير لا غنى لك إلا بالله، وضال لا هداية لك إلا بالله، وضعيف لا قوة لك إلا بالله.
فمَن الذي غذاك إذ كنت جنينًا. ومن الذي رباك إذ كنت رضيعًا.
ومن الذي سخَّر لك مَن يعطف عليك ومَن يرحمك ومَن يسهر لتنام، ويتعب لترتاح.
ومن الذي أنزل الرحمة في قلوب الناس لك إذ كنت صغيرًا.
ومن الذي أكرمك، وأعطاك، وعلَّمك، وفي أي صورة شاء؛ ركَّبك.
ومَن الذي وهب لك السمع والبصر والقلب والفؤاد، وخلقك فعدَلك، ورزقك فمدّ لك.
أَ لِأَنَّك كَبرت استكْفيت ! أم لأنَّك استَغْنيت فاستَقْويت !
لا شك أنه ليس بنا عن الله تعالى غِنى طَرفة عَين ولا أقلّ ذلك.
قال الله كما في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ. يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ. يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ». رواه مسلم في صحيحه.
ففي كل ليلة قل يا الله، وفي كل صلاة قل يا الله. ادعُوا اللهَ أيها الصائمون القائمون. ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
وتذكر: أنك حينما تدعو وتسأل وتُلِحّ في السؤال: أنّك في عبادةٍ لله تعالى.
فالنبي ﷺ يقول: «الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ»([3]).
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}.
فكلُّنا فقراء إلى الله تعالى، محتاجون لما عنده من : العافية والسلامة والرِّزق والعَفْو والمغفرة والتوفيق والتسديد والخَير والبركة.
أيها الصائم: ارفع يديك نحوَ السَّماء، مستقبلًا القبلة، متطهِّرًا، مُثنيًا على الله تعالى، مُصلِّيًا على رسول الله ﷺ، ولا تدعُ بإثم أو قطيعةِ رَحم، وأَعظِم الرجاء، وحسِّن الظن بالله، وأَلحّ ولا تيأس، ولا تنقطِع، وادع اللهَ وأنت حاضر القلب، بتخشُّع وسكينةٍ، وعظِّم الأمل وادع وأنت موقن بالإجابة.
قال ﷺ: «إن ربَّكم تبارك وتعالى حَيِيٌّ كريم، يَسْتَحِي من عبده إذا رفع يديه إليه أنْ يَرُدَّهما صِفرًا»([4]).
وقال ﷺ:«لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: «قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» رواه مسلم.
وفي سنن أبي داود عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: سمع رسولُ الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته لم يُمجِّد اللهَ تعالى ولم يصلِّ على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «عَجِلَ هذا» ثم دعاه فقال: «إذا صلَّى أحدكم فليبدأ بتَمْجِيد ربه والثناء عليه ثم يصلِّي على النبي ﷺ ثم يدعو بعدُ بما شاء»([5]).
وفي المسند عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا». قَالُوا. إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: «اللهُ أَكْثَرُ»([6]).
وفي الصحيحين عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، وَلاَ يَقُولَنَّ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّهُ لاَ مُسْتَكْرِهَ لَهُ»([7]).
ومِن مُهمَّات الدعاء: عدم الاعتداء فيه. وفي سنن أبي داود عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنَّ النبي ﷺ قال: «سيكون قومٌ يعتدون في الدعاء»([8]).
قال ابن القيم رحمه الله: «الاعتداءُ في الدُّعاء تارةً بأن يسألَ ما لا يجوزُ له سؤاله، وتارةً بأن يسألَ ما لا يفعلُه الله، وكلُّ سؤالٍ يُناقضُ حكمةَ الله أو يتضمَّنُ مناقضةَ شرعِهِ وأمرِهِ، أو يتضمَّنُ خلافَ ما أخبرَ به، فهو اعتداءٌ لا يحبُّه الله ولا يحبُّ سائِلَهُ، وفُسِّرَ الاعتداءُ برفع الصوت أيضًا في الدعاء»([9]).
أيها الصائم:
إذا دعوتَ اللهَ وسألْتَه المغفرةَ فغفَر لك : لقد أفلحتْ فلاحًا مبينًا.
وإذا دعوْتَ الله: فأعتقَك من النار لقد فزْت فوزًا عظيمًا، قال الله: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185].
وإذا دعوت في كربة فكشفَ اللهُ ما بك من الغُمّة: لقد أنْجَحْت .
فاجتهد في الدُّعاء فإنَّ للصائم دعوة مستجابة، ادعُ الله بالعافية ورفع البلاء، وادع الله بصلاح النيةِ والذُّريّة. وادع الله بصلاح دينك ودنياك وأُخراك، وادع الله للمسلمين والمسلمات.
اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
والحمد لله رب العالمين.